محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
1078
تفسير التابعين
وهذا الذي قاله الطبري جيد ، إلا أن المتشابه لا ينحصر في التأويل الذي لا يعلمه إلا اللّه ولا يعلمه الراسخون ، أي في قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ بالوقف ، وهو العاقبة ، وما يؤول إليه الأمر ، فإنه إذا أريد به التفسير فالراسخون في العلم يعلمونه أيضا ، وهي قراءة من وصل وقرأ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، وبهذا يوفق بين قراءتي الوقف على لفظ الجلالة ، والوصل بما بعدها . وهذا ظاهر المنقول عن التابعين ، ولهذا قال الحسن البصري : ما أنزل اللّه آية إلا وهو يحب أن يعلم في ما ذا أنزلت وما ذا عني بها « 1 » ، ولم يستثن الحسن متشابها ولا غيره . وقال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره ثلاث مرات أقفه عند كل آية ، وأساله عنها . قال شيخ الإسلام : فهذا ابن عباس حبر الأمة ، وهو أحد من كان يقول : لا يعلم تأويله إلا اللّه ، يجيب مجاهدا عن كل آية في القرآن ، وهذا هو الذي حمل مجاهدا ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عند قوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل ؛ لأن مجاهدا تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله ، وبيان معانيه ، فظن أن هذا هو التأويل المنفي عن غير اللّه . . إلى أن قال : ومجاهد إمام التفسير ، قال الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ، وأما التأويل فشأن آخر ، ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب اللّه ، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه ، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ، ولا من الأئمة المتبوعين : إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ، ولا فهمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم ، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس ، وهذا لا ريب فيه « 2 » .
--> ( 1 ) مجموع الفتاوى ( 13 / 284 ) . ( 2 ) مجموع الفتاوى ( 13 / 284 ، 285 ) .